وسيلتنا قطب الأقطاب، علم الطريقة، وبحر الشريعة والحقيقة مولانا أبي العباس أحمد بن مولانا محمد المكنى بابن عمر بن المختار بن احمد بن محمد بن سالم بن أبي العيد بن سالم بن أحمد الملقب بالعلواني بن أحمد بن علي بن عبد الله ابن العباس بن عبد الجبار بن ادريس بن ادريس بن اسحاق بن زين العابدين بن أحمد بن محمد بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. فهذا نسبه الموجود في العقود ولكن لم يعول الشيخ رضي الله عنه عليه، وإن كان محققا عند آبائه حتى سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن نسبه، وحققه له: سمعته رضي الله عنه يقول: سألت سيد الوجود صلى الله عليه وسلم عن نسبي هل أنا شريف أم لا ؟ فأجابه صلى الله عليه وسلم: أنت ولدي، أنت ولدي، أنت ولدي. وكررها ثلاثا، فمن حين سمع تحقيق نسبه من سيد الوجود صلى الله عليه و سلم، صرح بالشرف و جزم به وذلك لتحقيق نسبه في نفس الأمر لأن سيد الوجود صلى الله عليه وسلم أخبره يقظة لا مناما وأخبره بأمور كثيرة ظاهرة وباطنة سيأتي إن شاء الله ذكرها في أثناء المجموع فأما والده رضي الله عنه، فهو السيد محمد بالفتح ابن المختار، فكان عالما ورعا متبعا للسنة ذاكرا مدرسا للحديث والتفسير، وكانت تأتيه الروحانية يراودونه على قضاء حوائجه فامتنع وطردهم وقال لهم: أتركوني بيني وبين الله لا حاجة لي بكم فذهبوا وتركوه وكان متعلقا بالله رضي الله عنه، وكان له بيت ذكر في داره هكذا حكى لي عنه شيخنا رضي الله عنه. ودارهم اليوم معلومة في القرية بالصلاح والبركة من أول أجداده النازلين في قرية عين ماضي إلى الآن  عمرها الله وأدام صلاحها بجاه هذا القطب الأعظم آمين. وتوفي رضي الله عنه سيدي محمد المذكور عام  ستة وستون ومائة وألف. وكذلك والدة شيخنا السيدة الحرة النفيسة عائشة بنت سيدي محمد بن السنوسي التجاني في اليوم الذي توفي فيه زوجها و قبرا بعين ماضي، ماتا بالطاعون رحمة الله عليهما.

و أما جده الثاني وهو السيد المختار، كان من أهل الدنيا الوافرة ومن أعيان أهل قريته رضي الله عنه. وأما جد شيخنا رضي الله عنه الثالث المسمى به فكان عالما كبيرا وسمعت من الشيخ أنه قال لي: سماه العياشي في رحلته " العالم الكبير" وأما جده الرابع وهو أول من نزل في قرية عين ماضي من أجداده، فكان عالما ورعا مشددا في اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أولياء الله و ستر ولايته بعلمه وكان متعبدا. كان له بيت في داره لم يدخله أحد غيره وكان إذا خرج من داره الى المسجد يستر وجهه على الناس فلا يراه أحد الى أن يصل إلى المسجد وكذلك إذا رجع داره كان على هذه الحالة حتى يدخل بيت خلوته فسألت الشيخ رضي الله عنه عن سبب ستره لوجهه. فقال لي: لعله بلغ مرتبة في الولاية لأن كل من بلغها يصير كل من رآى وجهه من الناس لم يقدر ان يفارقه حتى ساعة وإن فارقه وانحجب عنه مات لحينه، وهو من أدرك اثنين وستين علما من العلوم المحمدية، ومكث فيه اثنين وعشرين سنة يستر وجهه على الناس للعلة المذكورة. قلت للشيخ رضي الله عنه: هذه المرتبة لمفاتيح الكنوز او لغيرهم قال: بل لغيرهم من العارفين. وأما مفاتيح  الكنوز والقطب فلا يستترون لكمالهم ولعل السيد المذكور وهو جد شيخنا الرابع أدرك هذه المرتبة رضي الله عنه ( الجامع).

 فهو رضي الله عنه قوي الظاهر والباطن كامل الأنوار والمحاسن عالى المقام راسخ التمكين والمرام متصفا بكمال الارث من رسول الله صلى الله عليه وسلم بهي المنظر جميل المظهر، منور الشيبة،عظيم الهيبة، جليل القدر شهير الذكر، ذو صيت بعيد، وعلم وحال مفيد، وكلمة نافذة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عائدة،  وإظهار السنة وإخماد البدعة، يضرب به وبداره المثل في إحياء السنة واتباع الدين فهو جدير بأن يلقب بمحي الدين صاحب وقته وفريد عصره ( من جواهر المعاني).

فإنه ولد بعين ماضي سنة  خمسين بعد المائة والألف، ونشأ بين أبويه الطاهرين إلى ان بلغ التمييز فأسلماه للمكتب فقرأ القرآن وهو صغير وتعلم العلم الظاهر وكان حافظا ماهرا فطنا كيسا أديبا، فمن ذكاء عقله وتنوير بصيرته انه قال لي: سبقت الطلبة في مختصر الشيخ خليل رضي الله عنه من باب القضاء إلى آخر المختصر من غير أن نسمعه من أحد، ولم أقرأ علم الكلام على أحد وهو من الفحول فيه ولم يطق أحد من اهل العصر الذين رأيناهم أن يتكلم معه في هذا الفن فكانت له قوة على التصحيح والتعليل والابطال لم تكن في غيره ممن رأينا، إلا أنه كان في أول عمره على طريق المتكلمين في الوقوف مع الأدلة العقلية.

 

ثم بعد رجوعه من حجته المبرور  رجع إلى أدلة النقل ولم يعول على أدلة العقل إلا ما وافق النقل منها. وأبطل قولهم بان العقلي قطعي والنقلي اقناعي. وقال أن هذه قولة شنيعة لم يرضها موفق ولو كانت كما قالوا لبطلت حجة الله على من لم يقدر على إقامة الدليل العقلي ولم يقل بها عاقل، لأن حجة الله على خلقه هو خبره الذي جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام لا غير. وأما علم الباطن فهو مختص به في زمنه رضي الله عنه، وحاز المرتبة العليا في الفقه، وكان عالما بالأصول من غير ان يقرأ كتب أربابها. و أما فن أرباب النواميس كسر الحروف والأوفاق والطلسم وغيرها مما خصه الله به من الأسرار المحيطة الجامعة لخير الدنيا والآخرة، فلا يضاهيه أحد من أهل العصر. وستقف ان شاء الله على نبذة من علومه في هذا المجموع. ولبعض الأدباء رحمه الله يذكر بعض اوصاف هذا القطب الأعظم وصدق رحمه الله فيما قاله من مدح هذا السيد العظيم والقطب الكريم فقال:




 

وتجاني ذو عز وجاه ورفعـــــة


وتجاني بالمولى غني عن الغيــــر


و تجاني ذو علم وحلم ورافــــة


وتجاني طود شامخ عالم مقـــــر


وتجاني في علم التصوف لم يقــس


و تجاني في علم التفاسير كالبحـــر


و تجاني في بحر الحقائق  سابــح


و تجاني في علم الشريعة ذو حصــر


و تجاني حاز المكرمات جميعهـــا


و فاق الورى في العلم والزهد و الصبر


وتجاني غوث الأنام و كلهـــــم


له يلجئون في المهمات والضيــــر


ألا فبهذا الشيخ صحبي تمسكـــوا


وروضوا نفوسا حتى لا تعيى في السير


وسيروا على آثاره و تحفظــــوا


وآدابه فاستعملوا يا ذوي الحجــــر


فلا ملجأ إلا إليه يا اخوتــــــي


بذا الزمان الصعب  الخلي من الخيــر


فلو طفت أقطار البلاد و جلتهــــا


لما تلتقي أصلا شبيها بذا الحبــــر


يمينا به ما شفت حسنا كحسنـــه


و لا رمقت عيناي مثله في الدهـــر


مناي من الدنيا أعيش  بذكـــره


وأرتاح نشوانا إلى راهب الديــــر


فدعني أجر الذيل فخرا به ومـــن


يكون جار التجاني قد خص بالفخــر


فزد يا  فقيرا في هواه تولعـــــا


وعمرك فاقطعه  سرورا بـه و أدري


و لا تلتفت أصلا وقدم جميع مـــا


يصدك عنه واقطع الشفع بالوتـــر


فأنواره تجلي القلوب من الصـــدا


وأوراده تكفي المريد من الحشـــر


عليك به يا كل من هو طالــــب


ورام وصولا عن قريب ومضطـــر


و جد و جد بالنفس وارض بحبــه


فانك تلقى النصر في العسرواليســر


يكل لساني عن حقيقة  مدحــــه


فيا عجبا هل ينقص الدلو من بحــر


فيا رب بالمختار من آل هاشـــم


و اخوانه اولي العناية والصبــــر


فصل وسلم دائما متوالــــــيا


على من سما قدرا على ليلة القــدر

 

ولنرجع الى ذكر مشايخه الذين قرأ عليهم القرآن والعلم في صغره، فقد قرأ القرآن على سيدي محمد بن حم التجاني حفظ عليه القرآن قبل البلوغ لأن هذا السيد رجلا صالحا مؤدبا للصبيان وقرأ هو على شيخه سيدي عيسى أبي عكاز الماضوي التجاني وكان رجلا صالحا مشهورا بالولاية في قريته. وكان مؤدبا للصبيان أيضا. ذكر لهم مرة أنه رأى رب العزة في النوم وسرد عليه القرآن برواية ورش من أوله إلى أخره. فقال له ربه: هكذا أنزل. وحصل على يديه النفع و مات سيدي محمد بن حم المذكور عام  اثنين وستين ومائة وألف، وقرأ على شيخه سيدي المبروك بن أبي عافية الماضوي التجاني مختصر الشيخ خليل والرسالة ومقدمة ابن رشد والأخضري وتوفي سيدي المبروك عام  ستـة وستين ومائة وألف.

 

منها انه قال:  رأيت وأنا صغير قبل البلوغ كانه انتصب لي كرسي المملكة وأنا جالس عليه ولي عساكر كثيرة وأنا أصرفها في قضاء الحوائج كأني ملك قال لي: رأيت هذه وأنا في عين ماضي. ثم حين كان في تلمسان قال لي: رأيت نفسي في صفة ملك وعقد لي الناس البيعة ومعي خلق كثير ونصبوا لي كرسي الخلافة على سطح مرتفع، وفوقي لباس الملوك من ملف وغيره، فلما حانت الصلاة، وهو وقت الظهر فأردت أن آمر أحدا من الناس يصلي بنا على عادتي في اليقضة فتفكرت و قلت: الخليفة هو الذي يصلي بالناس. فتقدمت وصليت بالناس حتى أتممت الصلاة وسلمت. فلما قصها علي قال لي: وأظن ان الله سبحانه وتعالى أراد لي القطبانية وأنا أطلب غيرها لأنه كان في ذلك الوقت يطلب عند الله ان يكون أحد مفاتح الكنوز لأن مرتبتهم فوق القطب. فقلت له على سبيل المزاح: ضرك حيث أرادك بهذه المرتبة العظيمة . فضحك رضي الله عنه، ثم بعد مدة صرف وجهه لطلب القطبانية لما رأى من الخصوصية التي للقطب ولم ينلها غيره من اكابر الأولياء، وإن بلغوا ما بلغوا في ارتقاء المراتب فاعطيها والحمد لله.

و ممن أخبره بنزول القطبانية سيد أبو مدين الغوث رضي الله عنه قال: رأيته في النوم في مجمع وهو يقول: من يجيب لنا شيئا نعطوه الحاجة التي طلبها أو نضمن له الحاجة التي أحب؟ قلت له: ها انا أعطيك أربعة مثاقيل و اضمن لي القطبانية العظمى. قال لي نعم وأنا اضمنها لك, لم تمت حتى تدركها وأنا في ذلك الحال عريان، فلما ذهبت من عنده لنأتيه بالدراهم، استيقظت وكان رضي الله عنه عنده وليمة يريد ينفق فيها، فلما طلع النهار أخذت الدراهم وذهبت إلى ضريحه ، فلما وصلته قلت له: يا سيدي، هذه أربعون أوقية التي قلت لك نعطيها لك ولكن اتصدق بها على الفقراء وثوابها لك وأعطيتها لبعض الشرفاء، فقال واحد من اولئك الفقراء: أقبلت علي وليمة ولا عندي ما نقدر به عليها، فاستغثت أمس بسيدي أبي مدين ، فهذه اغاثته رضي الله عنه وما ذكره هذا الفقير تصديق لهذه الرؤيا.

قال : وصفة سيدي أبي مدين رضي الله عنه رجل أبيض شعره أزعر في عينيه زرقة وفي لحيته شيب قليل.  و مما يؤيد هذه الرؤيا أن الشيخ رضي الله عنه تلاقى مع رجل يدعي أن يلاقي الروحانية يقضة ويخبرونه بمت يسئلهم عنه. فقال له الشيخ: غني أضمرت لك حاجة، فما هي، ولم يسمها له. فلما حضروه قال لهم: ما حاجة فلان أعني شيخنا رضي الله عنه قالوا له: سألك عن القطبانية، قال: فحضر معهم رجل فقال لهم : من قال لكم تكلموا في هذا الأمر، قالوا له: صاحبه هو الذي سألنا، أعني شيخنا رضي الله عنه قال لهم: هذه القطبانية أنا ضمنتها له حين كان في تلمسان قبل أن يشرق لم يمت حتى يدركها، فلا تدخلوا فيها لا انتم ولا غيركم والرجل المذكور هو الشيخ سيدي أبو مدين رضي الله عنه والمسؤول لم يتلاقى مع الشيخ رضي الله عنه إلا في ساعة السؤال ولا خبرة له بالرؤية أصلا، فدل خبره على صحة هذه الرؤية و أنها حق لا وهم فيها ولا غلط. و منها أنه قال لي: رأيت رؤيا تدل على حالي كله و ذلك أني رأيته صلى الله عليه وسلم راكبا على حصان، فقلت وأنا ذاهب نحوه: إن سلمت عليه وهو فوق الحصان لم ندرك مرادي إلا بمشقة وان سلمت عليه غير راكب فندرك مرادي من غير تعب. فلما وصلته  صلى الله عليه وسلم نزل من فوق الحصان وسلمت عليه فهذا وقع في خاطري في ذلك النوم فلما سلمت عليه دخل الى جنان فلان رجل من أهل عين ماضي و أحرم يصلي فلما أردت أن نحرم معه فبينما أنا في استحضار النية و لم أحرم حتى ركع و سجد صلى الله عليه وسلم  فأحرمت معه في الثانية ، فكملتها معه إلى أن سلم فأولتها وأنا في ذلك الحال بأن نصف عمري يضيع ولم ندرك فيه شيئا ونصفه الآخر ندرك فيه مرادي ، فكان الأمر كذلك والحمد لله.

و اما من أخبره بنزول القطبانية في اليقظة فسيدي محمد بلحسن كما سيأتي ذكره وسيدي احمد بن عبد الله الهندي  والشيخ محمود في قوله له : لك أكثر منها، وقال لي يوما رضي الله عنه: كنت قبل أن نظفر بالاسم الأعظم نتحسر ونقول: ضاع عمري من غير فائدة ، وأما اليوم والحمد لله و له الشكر، فذكره مرة يساوي ما فات من عمري من يوم بلغت إلى الآن وزيادة. قلت له: بل هي أكثر من أول الدنيا الى الآن بعبارة غير هذه. فقال نقول كما قال نبي الله يوسف على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام : ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس. قلت له: إنك اخبرت في اول عمرك انك تصل القطبانية العظمى فكيف تتحسر، فقال لي نعم ، ولكن ما رأيت شيئا يطمئن به قلبي حتى ظفرت بالاسم الأعظم، قلت له: أهو الذي أخذته من عند فلان أم غيره. قال لا بل الذي أعطاه لي سيد الوجود صلى الله عليه وسلم وأخبرني بفضله الكثير و أما الآخر أخذته ولم ندري فضله قلت و تلك المبشرات المتقدمة لشيخنا قبل أن يخبره سيد الوجود صلى الله عليه و سلم  يقظة لا مناما ، وأما اليوم والحمد لله فأخبره بنزول مقام لم يقدر أحد ان يفشيه فضلا عن إدراكه وضمنه له ، وضمن له كل ما طلب حتى من أمور الدنيا كما سيأتي التنبيه عليه في غير هذا المحل.

و اما رؤياه لسيد الوجود صلى اله عليه وسلم فكثيرة، وإنما ذكرت منها ما يدل على مقامه هنا، وأما التي لا تدل، فمنها أنه قال لي: رأيته صلى الله عليه وسلم في تونس قال لي ادع بالمعرفة او بمرادك أو بكلام يقرب من هذا وأنا أؤمن على دعائك ، فدعوت فأمن صلى الله عليه وسلم ثم قرأ سورة والضحى، فلما وصل الى قوله تعالى ولسوف يعطيك ربك فترضى رمقني ببصره الشريف صلى الله عليه وسلم وكمل السورة. ومنها اني رأيته مرة وسألته عن الحديث الوارد في سيدنا عيسى عليه السلام ، قلت له: وردت عنك روايتان صحيحتان، واحدة قلت فيها: يمكث بعد نزوله أربعين، وقلت في الأخرى: يمكث سبعا. ما الصحيحة منهما؟ قال لي: رواية السبعة، أي يمكث سبعا. ومنها قال لي رأيت المصطفى صلى الله عليه وسلم فسألته عن الزكاة التي يأخذها الأمراء والظلام من المسلمين كرها، هل تكفيهم؟ قال صلى الله عليه وسلم آوأنا أمرتهم بطاعتهم؟ قال الشيخ رضي الله عنه: قلت له: الذي يمكنه إعطاؤها لغيرهم ولم يلحقه ضرر منهم. قال صلى الله عليه وسلم: إن اعطوها فعليهم لعنة الله. هذا معنى كلامه صلى الله عليه وسلم. قلت للشيخ رضي الله عنه: والذي من الأمراء يأخذ العشر من المسلمين سواء بلغ المال النصاب أو لا.

 

قال لي: ذلك عصب وليس بعشر. قلت له ولعله صلى الله عليه وسلم أراد بطاعتهم اتقاء شرهم. قال: نعم، ومنها أنه قال لي: كنت نتحرج ونشدد غاية في الماء المتغير من أثر الوضوء، بل ولا نتوضأ به حتى رأيته صلى الله عليه وسلم يتوضأ في إناء وكان الماء متغيرا من أثر الوضوء. وقال لي أنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم . فمن حين ذلك تركت التحرج ورحت منه. وهذه الرؤيا حكاها لنا في بلاد بني وعزان النازلين بشرق تلمسان ، وذلك أن أحد أصحابه رضي الله عنه أراد أن يتوضأ من ماء كان متغيرا من أثر وضوء قبله، فتحرج منه فقال له الشيخ رضي الله عنه: توضأ فإني رأيت من هو خير منك توضأ من مثل ذلك الماء. وأخبرني ذات يوم قال لي: رأيت سيدنا موسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام، قلت له: إن قارون بلغنا أنه رأى المحل الذي كتبت فيه الاسم الأعظم ورميته في البحر لاظهار قبر سيدنا يوسف عليه السلام. فأخذ قارون ذلك المحل المكتوب فيه الاسم وصار يرميه على مواضع الكنوز فتظهر له، ومنه نال ما نال من كثرة الأموال. قال لي: نعم . قلت له: هل للعارف اختيار في الفعل والترك؟ قال لي: إلا إذا بلغ مقام كذا ولم يسم لنا الشيخ رضي الله عنه هذا المقام بعينه. فانظر رحمك الله أحوال هذا الشيخ رضي الله عنه مع صفوة الله من خلقه فصار نومه كيقظته يسأل عما أراده، وهذه أحوال الرجال لغلبة حكم الروح على الذات والروح أصلها الطهارة والصفاء، نسأل الله تعالى أن يكتبنا في زمرة أوليائه آمين. وله مراءي كثيرة، وهذا الذي حضرني منها في هذا الوقت، وكان يراها في أول عمره، وأما اليوم فلا يذكر المراءي إلا نادرا.

 

فلما شب رضي الله عنه واطلع على بعض من كلام القوم، تقت نفسه إلى أحوالهم والوصول إلى مراتبهم، فلما كان سنة نيف وسبعين بعد مائة وألف، سافر من بلده عين ماضي الى مدينة فاس وأحوازها من المغرب قاصدا مطلوبه وباحثا عما تعلقت به همته من ملاقات الرجال  فأول من لقي من أهل الله شيخ التربية والطريقة ومعدن السر والحقيقة، غوث الزمان ودفين وزان رضي الله عنه مولانا الطيب الشهير بمغربنا.

قال : فلما وصلت إليه، أذن لي في ورده والتقدم في إعطائه للناس، فلم أفعل لأني كنت لم أفهم حال الأولياء. ورأيته على حال أهل الدنيا . وكذلك مولانا أحمد الصقلي لم أكلمه حتى الكلام لما رأيت عليه من هيئة العامة . وبعد ذلك أخبرت أنه كان قطبا رضي الله عنه ، وسيدي مولاي الطيب رضي الله عنه أخذ عن أخيه سيدي مولاي التهامي وهو عن أبيه سيدي محمد وهو عن أبيه سيدي مولاي عبد الله وهو عن سيدي علي بن أحمد صاحب صرصر. وأما نسب هذه الشجرة الطيبة فينتهي إلى القطب الكبير أعني جدهم أخا لمولاي عبد السلام بن مشيش رضي الله عن الجميع .

ثم أخذ طريق بن ناصر عن سيدي محمد بن عبد الله التزاني وهو عن أبيه سيدي عبد الله وهو عن عمه سيدي محمد وهو عن سيدي أحمد بن محمد بن ناصر وقد أخذ قبله طريق سيدي محمد بن ناصر عن سيدي الاحسن اليوسي وسيدي الاحسن أخذ عن سيدي محمد بن ناصر وهو عن سيدي عبد الله بن حسين وهو عن سيدي الغازي و هو عن سيدي علي بن عبد الله وهو عن شيخ الشيوخ سيدي أحمد بن يوسف ثم تركها.

و أخذ طريق الشيخ عبد القادر الجيلاني على بعض من له الاذن فيها من أهل فاس، وبقي يذكرها مدة ثم تركها ثم تلاقى مع سيدي عبد الله بن عبد الله ولد سيدي احمد بن عبد الله صاحب المخفية الشهير بمدينة فاس، فدعا له ولم يأخذ عنه وردا لأن طريقهم طريق الأشراف . قال الشيخ رضي الله عنه: لما ودعني قال لي: سر الله يأخذ بيدك . وكررها لي ثلاث مرات. وهي آخر عهدي به رحمه الله. وتلاقى مع سيدي بلحسن الذي أخبره بنزول مقام الشاذلي كما سياتي، و موضعه في جبال الزبيب. ثم تلاقى مع الطواش بتازة رحمه الله فأعطاه ذكرا وقال له الزم الخلوة والوحدة والذكر واصبر حتى يفتح الله ، فلم يساعفه، فقال له: الزم هذا الذكر ودم عليه من غير خلوة ولا وحدة ويفتح الله عليك على تلك الحالة، و عين لي الشيخ رضي الله عنه الذكر الذي أعطاه له هذا السيد قال ذكرته مدة وتركته.

وأخذ طريق سيدي أحمد الحبيب الشهير بمغربنا على بعض من له الاذن فيها وتركها، ثم أخبرني أنه أتاه سيدي أحمد الحبيب في النوم وقال لي: قبض على لساني ولقنني اسما فذكرته مدة وتركته. ثم لما سافر لحجه المبرور تلاقى مع الشيخ سيدي محمد بن عبد الرحمان الأزهري نزيل جرجرة بأزواوة  فأخذ عنه الطريق الخلوتية وهو أخذها عن الشيخ الحفناوي رضي الله عن جميعهم. وتلاقى مع بعض اولياء تونس منهم السيد عبد الصمد الرحوي وكان تحت ولاية غيره وهو قطب تلك البلدة. وكان في صحبته رابع أربعة ولم يتلاقوا معه نهارا لستره على نفسه إلا في ليلة الجمعة وليلة الاثنين يبيتون معه، ولذلك قال الشيخ رضي الله عنه: طلبته في الملاقات فامتنع، وبعثت له ذات يوم محبوبا مع صاحبه فقال: المحبوب بعث محبوبا.

فلما ارتحل من تونس إلى مصر قاصدا  ملاقات الشيخ محمود الكردي رضي الله عنه قال لي: لما وردت عليه رحمه الله: أنت محبوب في الدنيا والآخرة، قال له: من أين لك هذا؟ قال لي: من الله ، بعد أن قلت له: رأيتك وأنا في تونس، قلت لك اني نحاس كل ذاتي، قلت لي: هو كذلك وأنا أرد نحاسك ذهبا. فلما قصصتها عليه حين وردت عليه قال لي: هو كذلك، كما رأيت ثم قال لي بعد أيام ما مطلوبك؟ قلت له: مطلوبي القطبانية. قال لي: لك أكثر منها. قلت له: عليك. قال لي: نعم، ثم بعد أن رجع إليه من حجته المبرورة أذن له في التربية بالطريق الخلوتية وأمره باعطائها على كره وقال له: أنا الضامن. فقال له: فالآن نعم. وأخبره ببعض أموره وما وقع له في سياحته وسبب ملاقاته مع الشيخ الحفناوي والشيخ مصطفى البكري رضي الله عن جميعهم.

ثم تلاقى بعده بسيدي أحمد بن عبد الله الهندي بمكة المشرفة المعظمة زادها الله شرفا وتعظيما وتكريما. آمين. فأعطاه سرا كبيرا وأمره أن يذكره سبعة أيام فيفتح عليه، ولكن يعتزل الناس ولا يراه أحد بعد هذا العمل، فلم يعمل شيخنا رضي الله عنه لهذا الأمر الذي فيه. قلت لسيدنا رضي الله عنه لما أخبرني: لو عملته حتى أدركت فتحه ثم بعد ذلك لا تختفي على الناس. قال لي: فيه نقض العهد وهو شرط فيه وكانت طريقة الشيخ المذكور لأنه كان لم يره حتى أولاده. و اعطى أسرارا أخرى غير هذا لسيدنا رضي الله عنه ولما طلبه في الملاقات به قال له: لا تلتقي بي ولكن تلتقي بالقطب بعدي، يكفيك عني. وأخبره أنه لا بد له من بلوغ مقام أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه وكان أخبره بأنه يموت في عشرين من شهر الله ذي الحجة الحرام، فكان كما قال رضي الله عنه ورحمه، وأوصاه على ولده أن يعطيه بعض أسراره، فمكنه له في مكة المشرفة زادها الله شرفا، حفظا للأمانة والوفاء بعهده.

فلما ارتحل للمدينة المنورة شرفها الله تعالى، تلقى مع الشيخ القطب سيدي محمد بن عبد الكريم السمان رضي الله عنه. وأخبرني شيخنا أنه طلب منه أن يقيم عنده ثلاثة أيام ويصبغه صبغة تامة ، فلم يمتثل أمره ولم يقم عنده لكونه دخل قبله في صحبة الشيخ محمود. وطلب منه بعض الأسرار فأذن له فيها و أذن له في جميع الأسماء والمسميات جملة . وحج رضي الله عنه في عام سبعة وثمانين في القرن الثاني عشر. وفي عام ثمانية وثمانين في القرن المذكور، تلاقيت معه في مدينة تلمسان وأذن لي في السلوك بالطريق الخلوتية التي أذن له فيها شيخه الشيخ محمود وأذن لي في أوراد وأسرار منها ما يذكر ومنها ما لم يمكن ذكره. جازاه الله عنا خيرا وما كنا نعرف تحقيق مسائل العلم الظاهر فضلا عن العلم الباطن حتى تلاقينا معه ففهمنا ما قسم لنا والحمد لله وله الشكر، ولم نعرف أحوال الأولياء وسيرهم إلا منه وفهمنا بشيء من علم  الوقت الذي يحتاج له كل أحد فلو شكرناه طول أعمرنا ما كافيناه مقدار شعرة مما وصل إلينا على يديه وما وعدنا به من وعده الصادق الذي لا خلف فيه. نسأل الله جلت عظمته أن يكافيه عنا بما  كافى به خاصة أحبابه من خلقه آمين.